السيد الطباطبائي
33
تفسير الميزان
بمعنى بعد و " ما " لتأكيد القلة وضمير الجمع للقوم ، والكلام مؤكد بلام القسم ونون التأكيد ، والمعنى : أقسم لتأخذنهم الندامة بعد قليل من الزمان مشاهدة حلول العذاب . قوله تعالى : " فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين " ، الباء في " بالحق " للمصاحبة وهو متعلق بقوله " فأخذتهم " أي أخذتهم الصيحة أخذا مصاحبا للحق ، أو للسببية ، والحق وصف أقيم قام موصوفه المحذوف والتقدير فأخذتهم الصيحة بسبب الامر الحق أو القضاء الحق كما قال : " فإذا جاء أمر الله قضي بالحق " ، المؤمن : 78 . والغثاء بضم الغين وربما شددت الثاء : ما يحمله السيل من يابس النبات والورق والعيدان البالية ، وقوله : " فبعدا للقوم الظالمين " إبعاد ولعن لهم أو دعاء عليهم . والمعنى : فأنجزنا للرسول ما وعدناه من عذابهم فأخذتهم الصيحة السماوية وهي العذاب فأهلكناهم وجعلناهم كغثاء السيل فليبعد القوم الظالمون بعدا . ولم يصرح باسم هؤلاء القوم الذين أنشأهم بعد قوم نوح ثم أهلكهم ولا باسم رسولهم ، وليس من البعيد أن يكونوا هم ثمود قوم صالح عليه السلام فقد ذكر الله سبحانه في قصتهم في مواضع من كلامه أنهم كانوا بعد قوم نوح وقد أهلكوا بالصيحة . قوله تعالى : " ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون " تقدم توضيح مضمون الآيتين كرارا . قوله تعالى : " ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه " ، إلى آخر الآية يقال : جاؤوا تترى أي فرادى يتبع بعضهم بعضا ، ومنه التواتر وهو تتابع الشئ وترا وفرادى ، وعن الأصمعي : واترت الخبر أتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنيهة انتهى . والكلام من تتمة قوله : " ثم أنشأنا من بعدهم قرونا " و " ثم " للتراخي بحسب الذكر دون الزمان ، والقصة إجمال منتزع من قصص الرسل وأممهم بين أمة نوح والأمة الناشئة بعدها وبين أمة موسى . يقول تعالى : ثم أنشأنا بعد تلك الأمة الهالكة بالصيحة بعد أمة نوح قرونا وأمما آخرين وأرسلنا إليهم رسلنا متتابعين يتبع بعضهم بعضا كلما جاء أمة رسولها المبعوث